بعد هجوم الكرك الأردنية .. حكاية المدينة التاريخية التي جمعت الأديان
لم يكن صوت الرصاص الذي دوّى داخل كنيسة القديس جورجيوس للروم الأرثوذكس بقرية حمود مجرد هجوم هز الكرك الأردنية، بل أعاد إلى الواجهة تاريخ مدينة جمعت المسلمين والمسيحيين على مدار قرون، فقد تعاقبت عليها حضارات عدة، بينما ظلت مآذنها وكنائسها شاهدة على تاريخها الديني.
وتروي مصادر محلية أن مسيحيين من أبناء الكرك ساهموا في التبرع بأرض لبناء المسجد العمري، وأن الكنائس أنشأت مدارس وعيادات لخدمة السكان من الديانتين، كما تشير روايات إلى حماية عشائر مسيحية لقيادات مسلمة خلال حملة التنكيل العثمانية التي أعقبت ثورة الكرك عام 1910.
وبعد الهجوم، أكد الملك عبد الله الثاني وحدة الأردنيين خلال زيارته للكرك، مشددًا على أن محاولات بث الفرقة بينهم لن تنجح، وأن أبناء الوطن شركاء في الأرض والموقف.
دقائق قبل الجنازة
بدأ الهجوم قرابة الثانية ظهرًا بعد نحو عشر دقائق من وصول جثمان السيدة المتوفاة إلى ساحة الكنيسة، بحسب شاهد عيان.
وكان المحامي ناصر برقان، الذي حضر الجنازة لأن المتوفاة من أقاربه، يظن في البداية أن الصوت المدوي ضجيج جهاز تكييف، قبل أن يدرك أنه إطلاق نار، و قال لـReuters إن بعض الحاضرين فرّوا، فيما حاول آخرون، بعضهم ينزف، الاختباء داخل الكنيسة، وإنه خرج من نافذة خلفه فرأى مسلحين اثنين، أحدهما ملثم والآخر يحمل مسدسًا، صوّبه نحوه من مسافة نحو مترين وأطلق النار، فتناثرت شظايا زجاج على وجهه.
وأودى الهجوم بحياة ثمانية أشخاص وأصاب نحو 40، وأكدت الجهات الحكومية أن المنفذين يحملون فكرًا تكفيريًا دون إعلان انتمائهم إلى تنظيم محدد، ولم تعلن جهة مسؤوليتها حتى الآن.
عندما بُنيت الكنائس بحجارة الجيران
وفي شوارع الكرك تقف المساجد والكنائس متجاورة، كل منها يروي حقبة من تاريخها. فإلى جوار قلعتها يقوم المسجد الحميدي الذي بُني عام 1894 في العهد العثماني، وتضم المدينة كنيسة الروم الأرثوذكس التي يُنسب أصلها إلى العصر البيزنطي، وكنيسة اللاتين التي ارتبطت بمدرسة الراهبات والمستشفى الإيطالي، إضافة إلى الكنيستين الإنجيلية والكاثوليكية.
وفي بلدة أدر المجاورة، تروي مصادر محلية أن عشيرة مسلمة قدمت الحجارة البازلتية السوداء لبناء كنيسة القديس جورجيوس، بينما تبرع مسيحيون لاحقًا بالمال والأرض لتوسيع المسجد المقابل لها. وتُنقل روايات عن توسط عشائر مسلمة في خلافات بين كنيستين متنافستين، وعن تمثيل زعماء كل ديانة لعشائر الأخرى في الخطبة وتسوية الخلافات، وعن صيام مسيحيين كثيرين في رمضان.
وحدة الأردنيين في وجه الرصاص
ووصف الملك عبدالله الثاني الهجوم عبر منصة X بأنه عمل إرهابي، وتعهد بأن يواجه بأشد أنواع الرد، كما أكد أن من يتوهم أن بإمكانه تفريق الأردنيين برصاصه لا حظّ له أمام وحدتهم، وأن الأردنيين جميعًا من الشمال إلى الجنوب شركاء في الأرض والمصير ولا شيء يقف بينهم.
وشدد على أن كل حياة أردنية غالية، وأن الدولة ستضرب بيد من حديد كل من يجرؤ على تهديد الوطن، وزار الملك المصابين في المستشفى وتحدث إليهم، وبعث بتعازيه إلى أسر الضحايا وتمنى للمصابين الشفاء العاجل.
ومن جهتها، وصفت الملكة رانيا العبدالله ما جرى بأنه جريمة نكراء بحق مصلين في الكرك، وقالت إنها مست الأردنيين جميعًا، وكتبت عبرX أن قلوبهم مع أهل الكرك.









