مسلسل هيا كيميا
مسلسل هيا كيميا

منذ الإعلان عن مسلسل هي كيميا بدا الرهان غريبًا، كيف يمكن الجمع بين ممثل ثقيل الحضور مثل دياب، الذي رسّخ مكانته في أدوار جادة بعيدة تمامًا عن الكوميديا وكان آخرها قلبي ومفتاحة، العام الماضي، وبين مصطفى غريب ابن الكوميديا الساخنة، الذي وُلد جماهيريًا تحت عباءة أحمد مكي في الكبير أوي، قبل أن يشكّل ثنائيًا ناجحًا مع هشام ماجد في مسلسل أشغال شاقة؟

مفاجأة دياب

المفاجأة أن الرهان لم ينجح فقط، بل أفرز نوعًا من الكوميديا مختلفًا تمامًا، دياب عبر شخصية المعلم حجاج، قدّم واحدة من أذكى تجاربه، حيث انحاز إلى الكوميديا السوداء دون أن يتخلى عن ثقله كممثل، حجاج يبدو مجرمًا شرسًا، صاحب بطش وسطوة، لكنه في العمق هشّ، وطفولي بالفعل، هذا التناقض كان الوقود الأساسي للضحك.
بينما سلطان يبدو عبقريًا متميزًا في تخصصه ككيميائي، ولكن وسط المواقف المضطربة التي يمر بها، يظهر جانبًا عبثيًا في شخصيته، يسعى لأن يظهر ذكاءه للجميع، بينما هو في واقع الأمر ساذج!

معالجة كوميدية لفيلم الكيف 

المسلسل يقدّم معالجة كوميدية واضحة لتيمة فيلم الكيف الذي قام ببطولته محمود عبد العزيز ويحيى الفخراني في ثمانينيات القرن الماضي، هناك أيضًا أخوان تجمعهما المخدرات: أحدهما تاجر، والآخر كيميائي خريج علوم يصنع الخلطة التي ستكتسح السوق، لكن هي كيميا لم يستنسخ الكيف، بل يلاعبه كتيمة كلاسيكية يمكن تطويعها في الكوميديا. 

في الفيلم كان الأخ الفلاتي مطربًا عاشقًا للكيف، بينما هنا يتحول الصراع إلى مساحة أوسع من العبث، حيث تتصادم الجدية المفرطة مع السذاجة المطلقة.
العلاقة بين سلطان -مصطفى غريب- وحجاج -دياب- هي قلب العمل النابض، تأرجحها بين التزام سلطان الأخلاقي، وبطش حجاج العملي، خلق توترًا كوميديًا مستمرًا، ومع توالي الحلقات، يتعرّى كل منهما أمام المواقف الصادمة؛ فينكشف ضعفهما، ويتحوّلان تدريجيًا إلى طفلين كبيرين يتخبطان في قراراتهما.
هذا التحول الدرامي هو ما منح الكوميديا عمقًا إضافيًا، فلم تعد مجرد إيفهيات، بل صارت نتاج مواقف ضاغطة تكشف هشاشة الشخصيات.

ثنائية ميشيل عماد وفرح يوسف

المؤلف مهاب طارق لم يكتفِ ببناء الأخوين، بل خلق شبكة شخصيات غذّت الكوميديا بزوايا متعددة، شخصية عماد التي يقدمها ميشيل ميلاد، صديق سلطان، صنعت مع نبيلة، التي تجسدها فرح يوسف طليقة حجاج، ثنائية فجّرت الضحك، خصوصًا في لحظات التواطؤ والسخرية من المعلم المتجبر.
كذلك ثنائية لبيب ولمعي، التي قدمها محمد عبدالعظيم وشريف حسني أضافت مسارًا جانبيًا قائمًا على خفة الظل وسوء الفهم الدائم.

كوميديا الموقف

أما على مستوى الكبار، فتظهر ميمي جمال في دور عفاف الزوجة الأولى لحجاج، التي تقلب حياته رأسًا على عقب، تجبره على طلاق نبيلة، ثم تعود مطالبة بخلطة سلطان السحرية، ويقف في الضفة الأخرى المعلم مغازي الذي يجسده سيد رجب، طامعًا هو الآخر في سر الخلطة.
المخرج إسلام خيري نجح في تحويل هذه الثنائيات إلى عوالم قائمة بذاتها، حيث اعتمد بشكل أساسي على كوميديا الموقف لا الإفيه المباشر. كل خط درامي يلد موقفًا جديدًا، وكل مواجهة تفتح بابًا لعبث آخر، حتى تبدو رحلة تصنيع الخلطة كأنها مختبر ضحك مفتوح.

عدوية .. بين الكيف وهيا كيميا

على مستوى شريط الصوت، كان حضور أحمد عدوية لافتًا، أغانيه التي شكّلت جزءًا من روح فيلم الكيف، عادت هنا كجسر ذكي بين العملين، الأغنية ليست مجرد خلفية، بل إشارة واعية من صناع المسلسل بأنهم يلعبون لعبة مكشوفة: استدعاء ظل الكيف، ثم إعادة صياغته بروح ساخرة معاصرة، كما منح ذلك دياب مساحة ليُظهر صوته كمطرب، وهو يغني لعدوية داخل الأحداث، في تماهٍ طريف بين الشخصية والممثل.
هي كيميا .. لا يصنع المخدرات فقط داخل أحداثه، بل يصنع خلطة كوميدية خاصة به، خلطة تجمع الجدية بالعبث، والبطش بالهشاشة، وتثبت أن أحيانًا أكثر الرهانات غرابة .. تكون أكثرها إمتاعًا.

تم نسخ الرابط