لم يكن فشل فيلم الدرجة الثالثة، مجرد تعثّر فني في مسيرة سعاد حسني، بل كان لحظة انكشاف قاسية. لحظة سقط فيها القناع عن وجه النجومية، وظهر ذلك الوجه الآخر الذي لا يُحب، ولا يغفر، ولا يتذكر شيئًا مما سبق. بعد ثلاثين عامًا من النجاح المتواصل، من الحب الجماهيري، من الحضور الطاغي، جاء فيلم واحد ليُقال لها — ببرود جارح — انتهيتِ.
الهجوم على سعاد حسني
ولم تُحاسَب سعاد على فيلم، بل حوسِبت على عمرٍ كامل، انقضّوا عليها بلا رحمة، فلم يكن الهجوم على العمل، بل على الجسد، على الروح، على الذاكرة. وُصفت بالضعف، بالتشنج، بالخروج من الزمن، وكأن الفن عقد إذعان لا يسمح بالخطأ، ولا يعترف بحق السقوط، الصحف طالبتها بالاعتزال، والجمهور صمت، والنقاد صوبوا سهامهم نحوها وحدها، لا نحو الصناعة، ولا الظروف، ولا التحولات.
النجومية لا تحمي صاحبها
في تلك اللحظة، تعلّمت سعاد حسني الدرس الأقسى: أن النجومية لا تحمي صاحبها، بل تضعه عاريًا في مرمى القسوة، دخلت في اكتئاب طويل، ثقيل، لم يكن وليد فيلم واحد، لكنه بدأ من هناك، من الصدمة الأولى، من إدراك أن الحب مشروط، وأن التصفيق فى لحظة تحول لسكاكين باردة، لم يكن السقوط فنيًا فقط، بل إنسانيًا، سقوطًا في هوّة الاكتئاب، في العزلة، في اكتشاف الوجه الآخر للنجومية؛ ذلك الوجه الذي يصفّق لك حين تنجح، ثم يطالبك بالاختفاء حين تتعثر، سافرت إلى لندن، لا هربًا من السينما، بل هربًا من نظرة قالت لها فجأة: لم نعد نريدك، سنوات من الغياب، ثم سنوات أطول من الانكسار، من المرض، من الوحدة، من الإحساس بأن التاريخ يمكن محوه بجرة قلم.
منى زكي .. اغتيال معنوي
وحين ننظر اليوم إلى ما يحدث مع النجمة منى زكي، لا نرى واقعة منفصلة، بل صدى بعيدًا لذلك الجرح القديم الذي لم يلتئم، منى زكي ليست ممثلة عابرة في جيلها، هي واحدة من أهم ممثلاته، وأكثرهن وعيًا، وأكثرهن اشتباكًا مع أسئلة الفن والتمثيل.
واليوم، وبعد كل هذا الزمن، نكاد نعيد المشهد نفسه، القسوة ذاتها، اللغة ذاتها، الشماتة المقنّعة باسم الرأي، منى زكي اختارت الطريق الأصعب، لا لأنها لا تعرف الطرق المضمونة، بل لأنها قررت أن تخرج من المساحة الآمنة، أن تدخل منطقة لا تحميها الكوميديا، ولا تجاملها الجماهيرية، ولا تضمن لها التصفيق، بغضّ النظر عن رأيك في الأداء أو تقييمك للفيلم، ما يحدث ليس نقدًا، بل عنف رمزي، واغتيال معنوي، ومحاولة لوضع الفنان في قفص الطاعة.
إن الهجوم لم يتوقف عند الأداء، ولا عند الاختيارات الفنية، بل يتجاوز ذلك إلى نبرة إقصاء، إلى رغبة دفينة في العقاب، كأن التجريب صار جريمة، وكأن الخروج من المألوف خطيئة تستوجب المحو، ولم تُمنَح منى فرصة أن تُحاكم كممثلة تُجرّب، تحوّل الهجوم إلى ما يشبه الذبح، لا يفرّق بين الأداء والفعل، بين الرأي والتجريح.
فيلم «الست» ليس عملًا مريحًا. لا لممثلته، ولا لصناعه، ولا حتى لمتلقيه. هو مغامرة ثقيلة، شاقة، تتطلب جهدًا مضاعفًا، وانكشافًا كاملًا أمام شخصية ليست سهلة، ولا مضمونة النتائج. أن تقف ممثلة أمام ظل أم كلثوم، لا أمام صوتها فقط، بل أمام رمزيتها، وتاريخها، وصورتها المتجمدة في الوجدان، فهذا عبء لا يجرؤ عليه كثيرون.!.
وهنا يصبح السؤال أبعد من منى زكي، وأبعد من فيلم الست
السؤال: ماذا نفعل بالفنان حين يخرج من الصندوق؟
الممثل ليس موظفًا في مصنع للنجاحات!، هو كائن حي، يتقدم ويخفق، يصيب ويخطئ، ويتعلم من المغامرة لا من الأمان، وغير مُلزَمً بأن ينجح في كل مرة. الفشل، حين يأتي من مغامرة، ليس عارًا، بل جزءًا أصيلًا من معنى الفن. النجاح السهل لا يصنع تاريخًا، وإذا صار التجريب جريمة، فمعناه أن الفن نفسه محكوم بالإعدام البطيء.لو نجح الفنان في مغامرته، يستحق التحية، وإن فشل، يستحق تحية أكبر، لأنه تجرأ.
لكن ما يحدث اليوم هو العكس تمامًا. نحن لا نكافئ الشجاعة، بل نعاقبها. نكافئ التكرار، ونصفق للمضمون، ونطالب الجميع بالبقاء داخل المنطقة الآمنة. ثم نتساءل ببراءة زائفة لماذا لا يتجدد الفن؟
وهنا تعود سعاد حسني من جديد، لا كذكرى، بل كتحذير
هل سيشبعنا أن نرى فنانة أخرى تُغتال معنويًا لأن فيلمًا لم يرضِ الجميع؟
السؤال الحقيقي ليس: هل نجحت منى زكي أم لا؟ السؤال هو: هل سنرتاح لو تكرّر معها ما حدث لسعاد حسني؟ هل سنشعر بعد سنوات أننا كنّا عادلين؟ أم سنكتشف، كالعادة، أننا بالغنا، وأن القسوة سبقت الفهم، وأننا كسرنا إنسانًا قبل أن نحاكم تجربة؟ هل سنرتاح إذا انتهت منى زكي إلى خوف دائم من المحاولة؟
إذا كان هذا يريحنا، فليكن الحل أبسط، امنَعوا فيلم «الست» من العرض، ليس لأن الفيلم سيئ، ولا لأن الأداء فشل، ولا لأن الفن أخطأ. امنعوا فيلم «الست» إذا كان المنع سيُريح هذا الغضب الجماعي، إذا كان سيُشبع تلك الرغبة القديمة في الذبح، إذا كان سيمنح الطمأنينة لجمهور لا يحتمل أن يرى فنانًا يغامر، أو يتعثر، أو يخرج عن صورته المحفوظة.لا نريد تجريبًا، ولا قلقًا، ولا أسئلة، نريد ما نعرفه فقط، وما ألفناه، وما لا يزعج ذائقتنا، لكن لا تدّعوا بعد ذلك أنكم تحبون الفن، ولا تقولوا إنكم تبحثون عن الجديد، ولا تتباكوا على غياب الإبداع.
لكن اعلموا أنكم حين تفعلون ذلك، لا تحمون الفن، بل تقتلونه ببطء. لأن الفن لا يعيش إلا بالمخاطرة، ولا يتنفس إلا في المساحات غير المأمونة. والممثل، مهما بلغت نجوميته، يظل إنسانًا، يتألم، ويتردد، ويحتاج إلى مساحة للخطأ كي ينمو.
أنا هنا لا أدافع عن أداء بعينه، ولا أُصدر حكمًا نقديًا على فيلم. الفارق بين النقد والاغتيال دقيق، لكنه حاسم. النقد ينطلق من الرغبة في الفهم، أما الاغتيال فينطلق من رغبة في الإلغاء. وما يحدث هنا أقرب إلى الثاني. كأن السؤال لم يعد: هل نجح الفيلم أم لا؟ بل صار: لماذا تجرأتِ؟
أنا أتحدث عن حق إنساني وفني أصيل: حق الفنان في أن يُخطئ دون أن يُسحق، وأن يُجرّب دون أن يُعدم معنويًا، هذا النوع من القسوة لا يقتل فيلمًا فقط، بل يقتل روحًا إبداعية كاملة، ويزرع الخوف في قلب كل من يفكر أن يخرج خطوة خارج الصندوق.
الفن لا يعيش في مناخ الرعب، ولا يزدهر تحت بنادق الجمهور الغاضب، ولا يُخلق من الخوف، منى زكي اجتهدت، تعبت، خاطرت، ووضعت نفسها في مواجهة رمز ثقيل. هذا وحده يستحق الاحترام، بغض النظر عن أي تقييم فني. لأن السؤال الحقيقي ليس: هل أعجبنا الفيلم؟
بل: أي سينما نريد؟، سينما آمنة، مضمونة، بلا روح؟، أم سينما حية، تخطئ وتنجح، لكنها تظل قادرة على المحاولة؟
منى زكي ليست موضوع هذا المقال، هذا نقاش مشروع، ومفتوح، ومهم. لكن ما يُكتب هنا يتجاوز ذلك إلى سؤال أعمق: ماذا نفعل نحن بالفن حين نُحاصره بالخوف؟ ماذا نفعل بالممثل حين نطالبه بالكمال الدائم؟ وماذا يتبقى من الإبداع إذا كان ثمن المغامرة هو الذبح المعنوي؟
سعاد حسني دفعت ثمن أول فشل في حياتها غاليًا. دفعت من صحتها، ومن روحها، ومن إيمانها بنفسها. والتاريخ — بعد فوات الأوان — عاد ليعتذر، كعادته.
فهل ننتظر ثلاثين عامًا أخرى لنعتذر لمنى زكي؟
أم نتعلم أخيرًا أن نكون أقل قسوة… وأكثر إنسانية؟ .

