بين الحجب والحرية الرقمية ..
روبلوكس تنتظر كلمة القضاء في أغسطس
لم تنتهِ معركة منصة الألعاب الشهيرة روبلوكس أمام القضاء المصري بعد، بل دخلت فصلًا جديدًا يحمل كثيرًا من الترقب، ففي الوقت الذي كان ينتظر فيه آلاف المستخدمين صدور الحكم النهائي، قررت الدائرة الثالثة بمحكمة القضاء الإداري بمجلس الدولة مد أجل النطق بالحكم في الدعوى المقامة لإلغاء قرار حجب المنصة داخل مصر، لتحدد جلسة 9 أغسطس المقبل موعدًا جديدًا للفصل في القضية.
تأجيل الحكم
وجاء القرار بعد أن كانت المحكمة قد حجزت الدعوى للحكم في جلسة سابقة، إلا أنها رأت تأجيل إصدار حكمها، وهو ما يعكس أهمية الملف وتشعب أبعاده القانونية والدستورية، خاصة أنه لا يتعلق بمنصة ألعاب فحسب، بل يمتد إلى قضايا الحريات الرقمية وحق المواطنين في الوصول إلى الخدمات الإلكترونية.
تفاصيل القضية
وتعود بداية القضية إلى الدعوى التي أقامها الدكتور هاني سامح، المحامي، طعنًا على القرار الإداري الصادر في 4 فبراير 2026 بحجب روبلوكس داخل مصر، وطالب في دعواه بوقف تنفيذ القرار بشكل عاجل، ثم إلغائه نهائيًا، مع ما يترتب على ذلك من آثار، وفي مقدمتها إعادة تشغيل المنصة وإتاحتها للمستخدمين.
توصية بعدم قبول الدعوى
وخلال نظر الدعوى، أودعت هيئة مفوضي الدولة تقريرها القانوني، وانتهت فيه إلى التوصية بعدم قبول الدعوى لانتفاء شرط المصلحة، غير أن المدعي، ومعه متدخلة انضماميًا إلى جانبه، تمسكا بأن القرار المطعون عليه يمس جميع مستخدمي المنصة داخل البلاد، باعتباره قرارًا تنظيميًا عامًا، وهو ما يجعل المصلحة الشخصية والمباشرة قائمة طالما استمر تنفيذ قرار الحجب.
واعتمد فريق الدفاع على عدد من المبادئ المستقرة في قضاء مجلس الدولة، مؤكدًا أن دعوى الإلغاء لا تشترط أن يكون القرار الإداري صادرًا باسم الطاعن أو موجهًا إليه وحده، وإنما يكفي أن يكون قد أثر بصورة مباشرة في مركزه القانوني أو في حقوقه، وهو ما ينطبق – بحسب الدفاع – على مستخدمي المنصة الذين حُرموا من الوصول إليها.
ولم تتوقف المرافعات عند الجوانب الإجرائية، بل امتدت إلى أبعاد دستورية وقانونية أوسع. فقد استند الطعن إلى المادة 57 من الدستور، التي تكفل حماية حق المواطنين في استخدام وسائل الاتصال العامة وتحظر تعطيلها أو وقفها أو حرمانهم منها تعسفًا، معتبرًا أن النزاع يرتبط كذلك بحرية التعبير، وتداول المعلومات، والحق في النفاذ إلى الخدمات الرقمية.
كما دفعت الدعوى بأن قرار الحجب لا يتفق مع الضوابط التي نص عليها قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018، والذي اعتبر الحجب إجراءً استثنائيًا لا يجوز اللجوء إليه إلا في حالات محددة وبشروط دقيقة، من بينها وجود أدلة على ارتكاب جرائم منصوص عليها قانونًا، وصدور قرار قضائي مسبب يحدد نطاق الحجب ومدته.
وأشار الدفاع إلى أن القرار – وفق ما أعلن عنه – لم يتضمن بيانًا واضحًا للجريمة محل الاتهام، أو الأدلة التي استند إليها، أو السند القضائي الذي بُني عليه، فضلًا عن عدم تحديد مدة الحجب أو نطاقه، وهو ما اعتبره إخلالًا بالضمانات القانونية والدستورية الواجبة في مثل هذه القرارات.
مبدأ التناسب
وفي المقابل، ركزت المرافعات على مبدأ التناسب، باعتباره أحد أهم المبادئ الدستورية الحاكمة للقيود التي تفرض على الحقوق والحريات. ورأى الدفاع أن أي مخاطر محتملة داخل روبلوكس ترتبط بخصائص معينة، مثل الدردشة أو التواصل بين المستخدمين، ولا تستدعي حجب المنصة بالكامل، خاصة مع وجود بدائل تقنية وتنظيمية يمكن أن تحقق الهدف نفسه بدرجة أقل من التقييد.
ومن بين هذه البدائل، اقترحت الدعوى تطبيق أنظمة للتحقق من أعمار المستخدمين، وتشديد القيود على تواصل القُصّر مع الغرباء، وتفعيل أدوات الرقابة الأبوية، إلى جانب استخدام وسائل تقنية لرصد محاولات الاستغلال أو السلوكيات المخالفة، بما يحقق التوازن بين حماية الأطفال والحفاظ على حق المستخدمين في الاستفادة من المنصة.
منصة رقمية متكاملة
وأكدت أوراق الدعوى أن روبلوكس لم تعد مجرد لعبة إلكترونية، بل أصبحت منصة رقمية متكاملة تتيح للمستخدمين تصميم ألعابهم الخاصة وإنشاء تجارب افتراضية من خلال أداة Roblox Studio، وهو ما جعلها مساحة للتعلم والإبداع واكتساب مهارات البرمجة والتصميم وصناعة المحتوى الرقمي، وليس مجرد وسيلة للترفيه.
وبين مطالب رفع الحجب، وتمسك الجهات المعنية بموقفها، تبقى الكلمة الأخيرة للقضاء الإداري، الذي ينتظر أن يحسم القضية في جلسة 9 أغسطس المقبل. وحتى ذلك الموعد، تظل روبلوكس عنوانًا لنقاش أوسع حول كيفية تحقيق التوازن بين حماية المجتمع من المخاطر الرقمية، والحفاظ في الوقت نفسه على الحقوق والحريات المرتبطة بالعالم الإلكتروني، في قضية قد ترسم ملامح التعامل مع المنصات الرقمية خلال السنوات المقبلة.







