احنا بتوع الأتوبيس .. مستوحى من قصة حقيقية والرقابة منعته والسادات أجازه
تظل السينما المصرية زاخرة بالمحطات الفنية الفريدة التي استطاعت أن تحفر اسمها بحروف من نور في ذاكرة التاريخ الفني، ومن بين هذه المحطات البارزة يأتي فيلم احنا بتوع الأتوبيس ليقف كشاهد عيان على تقديم الكوميديا السوداء بأعلى درجات الاحترافية والجرأة.
ومع حلول ذكرى العرض الأول لهذا العمل السينمائي الكبير في 22 أكتوبر، يستعيد الجمهور والنقاد تفاصيل هذا الفيلم الذي شكّل نقطة فارقة في مسيرة أبطاله وفي تاريخ الدراما السياسية والاجتماعية المصرية، حيث مزج بين المأساة والسخرية ليقدم واقعاً مؤلماً عاشه المجتمع في فترة زمنية معينة.
بداية خدعة سينمائية وكوميديا سوداء
عندما أُعلن عن الفيلم وطُرح في دور العرض لأول مرة، كان الانطباع السائد لدى الجمهور أنه أمام عمل كوميدي خفيف، خاصة وأن عنوان الفيلم يحمل طابعاً طريفاً، إلى جانب مشاركة قامات كوميدية كبيرة مثل عبدالمنعم مدبولي وعادل إمام ويونس شلبي.
لكن المفاجأة التي صادفت الجمهور داخل صالات السينما كانت غير متوقعة، إذ وجد المشاهدون أنفسهم أمام دراما مأساوية وتجربة سينمائية عميقة تناقش القمع السياسي وأساليب التعذيب داخل المعتقلات، ويعتبر السيناريست فاروق صبري هذا العمل أول تجربة كوميديا سوداء مكتملة الأركان في السينما المصرية، حيث تم استخدام الأسلوب الساخر لعرض وقائع بالغة القسوة والشدة.
قصة حقيقية من واقع خلف الأسوار
لم تكن أحداث الفيلم من وحي الخيال، بل استندت إلى قصة حقيقية نُشرت ضمن كتاب حوار خلف الأسوار للكاتب الصحفي جلال الدين الحمامصي. واستلهم الكاتب فاروق صبري الفكرة من قصة قصيرة لا تتعدى بضعة أسطر، ليعيد صياغتها في سيناريو وحوار مكثف.
تدور القصة حول مواطنين عاديين تقع بينهما مشادة كلامية داخل حافلة نقل عام، فيصر السائق على توجههما إلى قسم الشرطة، وهناك يختلط أمرهما مع المعارضين السياسيين، ليتم ترحيلهما إلى المعتقل دون ذنب، وتبدأ رحلتهما مع المعاناة والقهر السياسي.
أزمات الرقابة وتدخل الرئيس السادات
شهد الفيلم مواجهات حامية مع جهاز الرقابة على المصنفات الفنية عند تقديمه في عام 1979، حيث احتوى السيناريو والمشاهد على قرابة 20 مشهداً توثق أساليب التعذيب القاسية، وهو ما رفضته الرقابة وطلبت حذفه بالكامل للموافقة على العرض.
وأمام تمسك صُناع الفيلم بعدم تشويه الرسالة الفنية، تدخل الرئيس أنور السادات لحسم الأزمة، وسمح بعرض الفيلم كاملاً دون أي حذف، موجهاً عبارته الشهيرة للكاتب بأن يكتب ما يشاء، ورغم ذلك، ظل الفيلم ممنوعاً من العرض في التلفزيون الرسمي لسنوات طويلة بسبب حساسية موضوعه وشجاعته في كشف التجاوزات.
صراع المواطن مع مراكز القوة ونهاية مؤلمة
جسد الفيلم الصراع الأبدي بين المواطن البسيط ومراكز القوة في الدولة، مسلطاً الضوء على أساليب القمع والانتهاكات التي كان يتعرض لها المعتقلون. واستطاع المخرج والسيناريست تقديم تلك المشاهد بأسلوب صادق نال احترام الجمهور والوسط الفني.
وتنتهي أحداث الفيلم بنهاية مؤلمة بموت البطلين بعد سنوات من التعذيب داخل السجن، وهي النهاية التي أصر صُناع العمل على تقديمها كرمز للثورة على الظلم والرفض لتقديم شهادات الزور، ليبقى الفيلم وثيقة فنية وإنسانية تعبر عن قوة الكلمة وأثر الفن الصادق.









