يوسف وهبي .. عمل جرسون وفراش في إيطاليا ومنحه الملك فاروق لقب البكوية

يوسف وهبي
يوسف وهبي

تمر اليوم ذكرى رحيل عملاق الفن وأيقونة المسرح العربي يوسف وهبي الذي غادر عالمنا في السابع عشر من شهر أكتوبر عام 1982 تاركاً خلفه إرثاً خالداً وفلسفة فنية متكاملة أعادت رسم ملامح الحركة الثقافية والمسرحية في مصر والعالم العربي بأسره.

 ولم يكن الراحل مجرد ممثل تؤدى على لسانه الأدوار بل كان أمة مسرحية قائمة بذاتها جمعت بين الإخراج والتأليف والتمثيل وصاغت وجدان أجيال متعاقبة من عشاق الفن الراقي.

نشأة ارستقراطية وثورة على التقاليد

وُلِد يوسف وهبي لعائلة ارستقراطية عريقة إذ كان والده عبدالله وهبي مهندساً للري، بينما تعود جذور والدته السيدة شفيقة فهمي إلى دمشق كابنة لأحد كبار العلماء ورجال الدين، ونشأ في بيئة توفر لها سبل الرفاهية كافة، غير أن شغفه الجارف بالفن كان يغلي في صدره منذ صباه الباكر فرفض القيود الاجتماعية التي كانت تفرضها طبقته على امتهان الفن، ودفعه هذا العشق العارم للهروب في سن المراهقة رفقة صديقه محمد كريم إلى إيطاليا متجردين من كل شيء سوى حلم السفر وتحقيق الذات في مهد الفنون الأوروبية.

رحلة الكفاح والشقاء في إيطاليا

لم تكن الرحلة إلى إيطاليا مفروشة بالورد بل كانت محطة قاسية لصقل الموهبة وبناء الشخصية إذ اضطر الشاب المتمرد للعمل في مهن شاقة لتوفير قوت يومه، فعمل جرسوناً ثم حمالاً وصولا إلى العمل فراشاً في المسرح الذي كان يديره الممثل الإيطالي الشهير كيانتوني.

 وهناك التقط يوسف وهبي أسرار الصنعة المسرحية وتدرب على قواعد الأداء وتقاليد الوقوف على الخشبة وتشرّب الروح الاحترافية التي نقلها لاحقاً بكل أمانة وإخلاص إلى المسرح المصري فور عودته إلى القاهرة عام 1921 عقب رحيل والده.

تأسيس فرقة رمسيس والتضحية بالثروة

ورث وهبي ثروة طائلة عن والده لكنه لم يتردد في تسخيرها بالكامل لخدمة مشروعه الثقافي والفني الكبير، فأنشأ فرقة رمسيس المسرحية التي مثلت علامة فارقة في تاريخ المسرح المصري والعربي وجلب النص العالمي والمحلي وعمل على ترجمة واقتباس وتقديم عروض ضخمة لم تكن تهدف للربح بقدر ما كانت تسعى لارتقاء الذوق العام وتثقيف الجمهور ولم يبالِ عميد المسرح العربي حين خسر ثروة طائلة تُقدر بمائة ألف جنيه في سبيل استمرار مشروعه وبقاء راية المسرح عالية مرفوعة فوق الكفاح والصعاب.

مدرسة فنية متكاملة تتجاوز حدود الخشبة

تجاوز عطاء يوسف وهبي حدود التمثيل الفردي ليشمل تأسيس مدرسة متكاملة ضمت ألمع نجوم الفن وعملت على صقل المواهب وتقديم مئات الأعمال الخالدة، إذ امتدت مسيرته لتشمل أكثر من ثلاثمائة عمل مسرحي أخرج منها ما يفوق مائة وخمسين مسرحية وكتب عشرات العروض التي عالجت قضايا المجتمع برؤية نقدية واعية.

ولم تقتصر مسيرته على المسرح بل امتدت إلى الشاشة الفضية مقدماً أدواراً خالدة في السينما المصرية، ومن أبرزها إسكندرية ليه والبؤساء وميرامار والقاهرة 30 والسلخانة وغيرها من الأعمال التي ظلت محفورة في ذاكرة السينما العربية.

تكريمات وطنية ولقب البكوية

تقديراً لدوره التاريخي العظيم نال يوسف وهبي أرفع الأوسمة والتقديرات من الدولة والملوك فارتفع شأنه حين منحه الملك فاروق لقب بك عام 1944 إثر إعجابه الشديد بأدائه في فيلم غرام وانتقام، ليصبح ثاني فنان مصري ينال هذا اللقب الرفيع، كما نال جائزة الدولة التقديرية مرتين الأولى عام 1969 من الرئيس جمال عبدالناصر والثانية عام 1975 من الرئيس أنور السادات ليظل رمزاً خالداً للإبداع والتضحية والعطاء الذي لا ينضب في تاريخ الثقافة المصرية.

تم نسخ الرابط