ميرامار .. منعه عبدالناصر من العرض وأجازه السادات
تمر اليوم ذكرى العرض الأول لواحد من أهم وأجرأ أفلام السينما المصرية وهو فيلم ميرامار، الذي انطلق في دور العرض السينمائي في تاريخ 13 أكتوبر من عام 1969، ليحفر اسمه بحروف من نور في ذاكرة الفن السابع كأحد أبرز الاقتباسات عن أدب الأديب العالمي نجيب محفوظ، الذي نال جائزة نوبل فيما بعد وتناول الفيلم تفاصيل اجتماعية وسياسية بالغة الدقة تعكس روح مرحلة تاريخية حساسة في تاريخ مصر الحديث.
قصة الرواية وكيف انتقلت إلى الشاشة العريضة
بدأت الحكاية عندما نشرت جريدة الأهرام رواية ميرامار في حلقات مسلسلة عام 1966 دون حذف كلمة واحدة بالرغم مما تضمنته من إسقاطات نقدية واضحة للنظام السياسي القائم في ذلك الوقت.
وبعد عام واحد فقط سارع المنتج السينمائي الكبير جمال الليثي بشراء حقوق تحويل الرواية إلى فيلم سينمائي مقابل سبعمائة وخمسين جنيها ليبدأ العمل على إنتاج عمل فني ضخم يضم كوكبة من نجوم الفن وفي مقدمتهم دلوعة الشاشة شادية والفنان الكبير يوسف وهبي وعماد حمدي ويوسف شعبان وعبدالمنعم إبراهيم وغيرهم الكثير تحت قيادة المخرج الكبير كمال الشيخ الذي قدم روائع خالدة.
أزمات رقابة المصنفات وتدخل القيادة السياسية
لم يكن طريق العرض الجماهيري مفروشا بالورود بل واجه الفيلم مطبات سياسية ورقابية هددت بمنعه نهائيا من دور السينما حيث شاهده عدد من أعضاء الاتحاد الاشتراكي في عرض خاص وأبدوا اعتراضات شديدة معتبرين أنه يتضمن هجوما صريحا على النظام القائم مما أثار غضب المنتج جمال الليثي الذي استغاث بكل الجهات حتى وصل الأمر إلى الرئيس جمال عبد الناصر الذي أصدر توجيهاته بتكليف نائبه حينذاك محمد أنور السادات بمشاهدة الفيلم وإعداد تقرير مفصل عنه لاتخاذ القرار العادل بشأنه.
موقف السادات وكواليس إجازة عرض الفيلم
تشير شهادات نجيب محفوظ في مذكراته إلى أنه أصيب بصدمة بالغة عندما علم أن السادات هو المكلف بالفصل في أزمة الفيلم معتقدا أن العمل قد انتهى ولن يرى النور أبدا ولكن المفاجأة حدثت في اليوم التالي عندما نشرت الأهرام خبرا يفيد بأن السادات لم يوافق فقط على عرض الفيلم بل قدم له دعاية جماهيرية واسعة داعيا الجميع لمشاهدته.
وكشف محفوظ فيما بعد أن السادات فعل ذلك نكاية في الاتحاد الاشتراكي وفي صراعه السياسي معه وليس دفاعا عن الفن فحسب وقد حقق الفيلم نجاحا منقطع النظير واستمر عرضه في دور السينما تسعة عشر أسبوعا متصلا مسجلا رقما قياسيا كبيرا.
حذف الجمل المثيرة للجدل وأسبابها المختلفة
تباينت الروايات التاريخية والرقابية حول الجمل التي تم حذفها قبل خروج الفيلم إلى النور فبينما تشير بعض التوثيقات إلى أن الرئيس جمال عبدالناصر أمر بحذف جملة محددة قالها يوسف وهبي ضمن الأحداث وهي طظ في الاتحاد الاشتراكي.
و تشير روايات أخرى إلى أن أنور السادات طالب بحذف جملة مختلفة تماما رآها مهينة للمرأة وهي تضربوا الستات زي الحيوانات لتستمر الإسقاطات السياسية قوية وجريئة بينما يتم تهذيب بعض العبارات الاجتماعية ويبقى الفيلم وثيقة سينمائية فنية لا تزال تثير الكثير من النقاش والجدل النقدي حتى يومنا هذا بفضل عبقرية صناعه وقوة موضوعه.
الرؤى النقدية المتنوعة حول الفيلم
على الرغم من الاحتفاء الجماهيري الكبير والنجاح الباهر الذي حققه فيلم ميرامار إلا أنه تعرض لحملات نقدية قاسية من بعض النقاد مثل علي أبو شادي الذي رأى أن العمل شكل تعديا واضحا على نص رواية نجيب محفوظ الأصلية متهما صناع الفيلم وفي مقدمتهم كاتب السيناريو ممدوح ليثي بتبني موقف مناهض لثورة يوليو ومحاولة إظهار تعاطف مع الطبقات الإقطاعية والرجعية.
في المقابل دافع نقاد آخرون مثل كمال رمزي بحرارة عن العمل معتبرين إياه درة كمال الشيخ الإخراجية لأنه التزم الحياد التام في طرح وجهات نظر جميع الأبطال دون انحياز لشخصية على حساب أخرى ليبقى فيلم ميرامار علامة فارقة في تاريخ السينما المصرية والعربية تجسد صراع الأفكار والحرية الفنية بحرفية عالية.









