محمد الكحلاوي .. أنشأ شركة إنتاج للسينما البدوية ورفض الغناء لـ جمال عبدالناصر

محمد الكحلاوي وجمال
محمد الكحلاوي وجمال عبدالناصر

شهد شهر أكتوبر البداية والنهاية في حياة الفنان الراحل محمد الكحلاوي، بدءًا من يوم ميلاده في الأول من الشهر، وحتى رحيله عن دنيانا في الخامس من نفس الشهر عام 1982، عن عمر ناهز السبعين عامًا، بعدما ترك بصمة استثنائية في عالم التراث الفني والإنشاد الديني. 

ولد الكحلاوي عام 1912 بمركز منيا القمح التابع لمحافظة الشرقية، وعاش حياة حافلة بالتحولات التي جعلت منه أحد أبرز قامات الفن العربي والمداح الأول لرسول الله.

محطات النشأة والتأسيس الأزهري

 تربى الكحلاوي في بيئة عربية ذات طابع ديني، حيث حرص خاله على إلحاقه في البداية بمدرسة فرنسية للراهبات استمر بها لخمس سنوات بالتوازي مع حفظه للقرآن الكريم. ونظرًا لعدم ميل الصبي للدراسة بالأنماط الحديثة وقتها، جرى تحويل مساره نحو التعليم الأزهري، وهو القرار الذي صقل شخصيته ولغته بشكل حيوي. ساهم الأظهر الشريف مع حفظه الكامل للقرآن في ضبط المخارج والتمكن التام من قواعد العربية وفنون الشعر والقصائد، مما منحه قاعدة صلبة أهلت إبداعه اللاحق في إلقاء الشعر والمدائح.

رحلة الشام وبداية الغناء البدوي

 بدأ شغف الكحلاوي بالرحيل حينما سافر برفقة فرقة عكاشه إلى بلاد الشام دون علم عائلته. وفي الوقت الذي عادت فيه الفرقة إلى مصر، فضّل هو البقاء هناك لمدة ثماني سنوات تنقل خلالها بين بلاد الشام لتعلم أصول الغناء العربي الأصيل، وإتقان اللهجة البدوية وإيقاعاتها وأصول الموال. غادر الكحلاوي مصر وفي جيبه عشرون قرشًا فقط، لكنه عاد إليها شابًا يمتلك ثروة ضخمة قدرت بنحو ثمانية وثلاثين ألف جنيه عام 1932، ليتجه فورًا ونحو صناعة لون غنائي جديد.

تأسيس شركة الإنتاج والرائد البدوية

 كوّن الكحلاوي ثلاثية فنيه شهيرة جمعته مع الكاتب بيرم التونسي والملحن زكريا أحمد، حيث أطلقوا معًا عصر الأغنية البدوية على الساحة الفنية. ولم يكتفِ بالغناء والتمثيل بل أسس شركة إنتاج أفلام القبيلة، وهي ثاني شركة إنتاج في الوطن العربي، والتي تخصصت في صناعة السينما البدوية وقدمت أعمالاً سينمائية بارزة مثل أحكام العرب ويوم في العالي وأسير العيون وبنت البادية. ونظرًا لنجاح هذا الاتجاه، سار على خطاه العديد من المطربين ومن أبرزهم الفنان فريد الأطرش.

الرفض الشهير والتحول الكامل للمدائح النبوية

 تميز الكحلاوي بموقف صارم يتصل بعقيدته الفنية، حيث رفض تمامًا التغني بمدح أي شخص مهما بلغت مكانته. ووصل هذا المبدأ إلى ذروته عندما طلب منه الزعيم جمال عبد الناصر الغناء له في إحدى المناسبات، ليأتيه رد الكحلاوي حاسمًا بأنه لن يمدح أحدًا بعد رسول الله. ومع حلول ستينيات القرن الماضي، حوّل الفنان اهتمامه بالكامل نحو الإنشاد الديني والأغنية الشعبية، فقدم مئات الألحان الشهيرة مثل لأجل النبي ويا قلبي صلي على النبي وخليك مع الله ونور النبي وخللي السيف يجول، لتصل ألحانه الدينية إلى أكثر من ستمائة لحن من بين نحو ألف ومائتي لحن أبدعها طوال مسيرته.

الزهد والسنوات الأخيرة

 تخلّى مداح الرسول في أواخر أيامه عن حياة الترف ومتاع الدنيا، حيث ترك عمارته المطلة على النيل بحي الزمالك، وانتقل للإقامة في استراحة بناها فوق مسجد يحمل اسمه وسط مدافن الإمام الشافعي بالقاهرة، متضمنة مدفنًا له. وظل الكحلاوي مواظبًا على العبادة حيث أدى فريضة الحج أربعين عامًا متواصلة إلى جانب عشر مرات لأداء العمرة. ورحل الفنان عن أسرة تضم خمس بنات هن الداعية عبلة وعليا ورحمة وفاطمة وعزة، إضافة إلى ولد واحد هو الفنان أحمد الكحلاوي الذي واصل المسيرة في طريق الإنشاد والمدح النبوي.

تم نسخ الرابط