المهاجر .. أجهضت يسرا طفلها بسببه ورفض يوسف شاهين استبدالها

يسرا ويوسف شاهين
يسرا ويوسف شاهين

يظل الاقتراب من التابوهات والتطرق للقصص الفكرية والدينية في الأعمال الدرامية مجازفة كبرى تضع صناع الفن أمام معارك ضارية بين ساحات القضاء وسهام النقد الجماهيري. 

وكانت هذه الضريبة هي ما دفعت المخرج العالمي يوسف شاهين وفريق عمله عند تقديم فيلم المهاجر، الذي واجه أزمات متتالية جمعت بين الظروف الإنسانية القاسية والملاحقات القضائية الشرسة، حتى أصبح العمل علامة فارقة في تاريخ السينما المصرية والعربية، وبمناسبة ذكرى العرض الأول لفيلم المهاجر اليوم 26 سبتمبر نستعرض كل العقبات التي واجهت الفيلم .

رؤية سينمائية مغايرة وحبكة تاريخية ثرية

ينسج فيلم المهاجر حبكته الاستثنائية من وحي القصة التاريخية الشهيرة لنبي الله يوسف، مقدماً إياها من منظور درامي مختلف من خلال شخصية رام.

وتبدأ الأحداث مع شاب طموح يرفض مظاهر الفقر التي تحيط بقبيلته القاطنة على أطراف مصر، فيقرر السفر إلى العمق المصري لتعلم فنون الزراعة والعلوم الحديثة، وفي رحلته، يرافقه إخوته السبعة الذين يستغلون غياب والدهم العجوز، فيقيدون أخاهم بالحبال ويلقون به في مركب متجه إلى مصر ظناً منهم أنهم تخلصوا منه بلا رجعة.

وعند وصول رام إلى الأراضي المصرية، يثبت كفاءة عالية في الزراعة ويلفت أنظار قائد الجيوش أمهار وزوجته سيمهيت التي تقع في حبه، إلا أن الشاب يفضل الابتعاد والعيش في قطعة أرض نائية منحها له القائد ليزرعها، وهناك يلتقي بفتاة حبه ويتزوجها، ورغم كل الشدائد والعقبات التي تعترض طريقه، ينبغ نجمه وتتسع مكانته، حتى يأتي إليه إخوته يطلبون منه العون والزاد دون أن يتذكروا ملامحه.

إجهاض يسرا وقرار المخرج الصارم

لم تقتصر معارك الفيلم على الجانب الفكري فقط، بل شهدت كواليس الإنتاج أزمة صحية وإنسانية بالغة القسوة لإحدى بطلاته، فعند البدء في التصوير، كانت الفنانة يسرا في شهرها الثالث من الحمل، ونتيجة المجهود الشاق وظروف التصوير المجهدة في الصحراء والبيئات المفتوحة، تعرضت لمضاعفات خطيرة وتسمم حمل استدعى نقلها على الفور إلى العاصمة الفرنسية باريس لإجراء جراحة إجهاض عاجلة. 

وتبعت ذلك فترة استشفاء ورعاية طبية امتدت لنحو شهرين، ورغم ضغوط الإنتاج والجدول الزمني، أصر المخرج يوسف شاهين على موقفه الصارم برفض استبدال يسرا بأي ممثلة أخرى، وفضل إيقاف العمل وانتظار تعافيها بالكامل حتى عادت واستأنفت مشاهدها.

الملاحقات القضائية وتأسيس فيلم المصير

رصدت للفيلم ميزانية ضخمة للغاية بمقاييس تلك الفترة بلغت نحو 12 مليون جنيه مصري، إلا أن عرضه في الصالات السينمائية أثار موجة غضب عارمة وصدامات قانونية، وواجه القائمون على العمل اتهامات ومقاضاة بحجة تجسيد شخصية نبي الله يوسف وتناول سيرته، مما أدى إلى صدور قرار بمنع الفيلم من العرض في دور السينما. 

ولم يستسلم يوسف شاهين لهذا القرار، بل خاض معركة قضائية طويلة لإعادة عرضه، وفي خضم هذه الأزمة قام بكتابة وإخراج فيلمه الشهير المصير ليكون رداً فنياً وفكرياً مباشر على محاولات مصادرة الفكر والمنع، حتى حسم القضاء الأمر لاحقاً لصالح عرض فيلم المهاجر.

تتويج دولي ومكانة رفيعة في ذاكرة السينما

رغم العواصف والصعاب التي أحاطت برحلته، استطاع الفيلم أن يحقق نجاحا جماهيريا ونقديا كبيراً عقب زوال حظر عرضه

. وسجل العمل حضوراً لافتاً في المحافل الدولية، حيث اختير للمشاركة في المسابقة الرسمية لمهرجان كان السينمائي الدولي، كما اقتنص النجم خالد النبوي جائزة أفضل ممثل في مهرجان جوهانسبرغ عن أدائه لشخصية رام.

 ولم تتوقف نجاحات العمل عند هذا الحد، بل حجز لنفسه الترتيب رقم 52 ضمن قائمة أفضل 100 فيلم في تاريخ السينما المصرية، ليظل برهاناً على قدرة الفن على البقاء وتجاوز المحن.

تم نسخ الرابط